ما هو حكم التعددية الحزبية وموقف الإسلام منها


                                       بسم الله الرحمن الرحيم

                    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

                      حكم التعددية الحزبية وموقف الإسلام منها




لقد نشأ في كثير من بلاد المسلمين أحزاباً وجماعات عديدة, لكل منها وجهة هو موليها, وغاية هو يبتغيها, ولما كان لهذه الأحزاب والجماعات أسس مختلفة تقوم عليها وبرامج متنوعة تسعى لتنفيذها, ولما ترتب على نشأة هذه الأحزاب مفاسد جسام, وطوام عظام, خاصة ما أحدثته من الولاء والبراء في غير الله, والطاعة العمياء حتى لأعداء الله, والعصبيات الحزبية التي تكاد لا تختلف عن العصبيات القبلية التي كانت منتشرة في العرب قبل الإسلام, كان لا بد من إيضاح الموقف الشرعي منها, لعل الله تعالى أن يهدينا والمسلمين إلى مراشد الأمور, إنه ولي ذلك ومولاه, وسيندرج الحديث في النقاط التالية:


أولاً: حكم الأحزاب الغير إسلامية كالعلمانية والشيوعية والبعثية وغيرها.


لا يجوز وجود أحزاب في بلاد المسلمين تنتهج نهج العلمانية أو الشيوعية, أو الاشتراكية أو البعثية أو غيرها, ولو كانت موجودة فلا يجوز الاعتراف بها أو الإقرار بشرعية وجودها, - تحت ذريعة التعددية الحزبية والسياسية التي تكفلها قوانين طاغوت الديمقراطية المعاصر- كما لا يجوز الانتماء إليها أو المشاركة فيها؛ أو بقاءها أصلاً بحال من الأحوال, - وإن كفلت لها قوانين الباطل والضلال ذلك - بل لا بد من اجتثاثها من أصلها, وذلك لعدة لأمور:



أولها: كفر مناهجها: فلا يختلف عاقلان ممن عندهم مسحة من العلم؛ على كفر مناهج هذه الأحزاب؛ فالعلمانية تفصل الدين عن الحياة, والشيوعية تنكر وجود الله سبحانه, والاشتراكية رديفة للشيوعية, وقد نهى ربنا تعالى المسلمين عن اتباع الكفار أو موافقتهم على كفرهم, فقال تعالى: "وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء
"النساء89, وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ"آلعمران149

ووجود أحزاب كفرية بين المسلمين؛ تعني وقوعهم في الكفر؛ وردتهم على أعقابهم؛ وانقلابهم خاسرين.



الثاني: دعوة القرآن والسنة صراحة لمحاربتها واستئصالها:
لما تنشره من فتنة وشرك؛ وكفر وضلال بين المسلمين, وقد قال الله تعالى: "وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ"البقرة191, وقال تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"البقرة217

ومن أشد وأكبر فتن هذه الأحزاب الوقوع في الشرك والكفر؛ وهذه الأحزاب الداعية للكفر ونحله؛ وللباطل وفكره, منكر مأمورون بإزالته بما تيسر من القدرة باليد؛ فإن لم نتمكن فباللسان؛ فإن لم نستطع فبالقلب مع المفارقة لهم؛ ومع وجود دوام الإعداد لتغيير باطلهم, وذلك أضعف الإيمان؛ وقد صح في الحديث عن أبي سعيد الخدري
t عن رسول الله rقال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" صحيح مسلم.


الثالث: تحريم المشاركة فيها أو الانخراط في صفوفها:
ويترتب على ما سبق بيانه من كفر مناهجها ودعوة الشريعة لمحاربتها بداهة حرمة المشاركة فيها لقوله تعالى: "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً"النساء140, وقوله تعالى: "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"الأنعام68, فلا يخفي على مسلم أن هذه الأحزاب الضالة المضلة ومن فيها ديدنهم الاستهزاء بالإسلام وأهله, والسخرية بالدين وأوامره, والسعي لوأده بكل حيلة ووسيلة, فلا يجوز لمسلم القعود معهم, أو المشاركة في باطلهم, أو الانخراط في تنظيماتهم المحاربة لله ولرسوله وللمؤمنين, وإن فعل ذلك كان مثلهم ومنهم.


الرابع: تسببها في تفرق المسلمين:
فهي وأمثالها سبب في تشتت المسلمين؛ وضعف صفهم؛ وخور قوتهم؛ كما بين تعالى في معرض النهي عن التشبه بالمشركين حيث قال سبحانه: "وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"الروم32, فهم سبب رئيس في تشرذم المسلمين, وما هم إلا حرب على الإسلام ومنهجه.


الخامس: دعوتها لجهنم عبر كبرائها
: فهي أحزاب داعية إلى جهنم بلا خلاف, من أجاب دعاتها قذفوه فيها والعياذ بالله كما ثبت في الحديث أن دعاتها دعاة على أبواب جهنم فعن حذيفة t قال: قال رسول الله r: "تكون دعاة على أبواب جهنم؛ من أجابهم إليها قذفوه فيها؛ هم قوم من جلدتنا؛ يتكلمون بألسنتنا؛ فالزم جماعة المسلمين وإمامهم؛ فإن لم تكن جماعة ولا إمام؛ فاعتزل تلك الفرق كلها؛ ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك" صحيح الجامع(2994).

إلى غير ذلك من الأسباب التي لا تخفى على أحد من الموحدين.


ثانياً: حكم الأحزاب الإسلامية في ظل وجود الخليفة والحكم بما أنزل الله:

لا يجوز وجود أحزاب إسلامية في ظل وجود الحكم بما أنزل الله تعالى؛ على يد الخليفة الحاكم بشريعة الله سبحانه؛ وذلك لأمور:



الأول: مخالفتها لأصل الاعتصام والاجتماع وعدم التفرق والاختلاف
: فالاعتصام أصل من أهم أصول الإسلام, وتعدد الأحزاب الإسلامية في ظل وجود الحكم بالشريعة يخالف هذا الأساس, ويسبب التفرق والتشرذم بين المسلمين, وقد قال تعالى: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" آلعمران103, ويترتب على ذلك التعدد؛ انقسام المسلمين في أحزاب وشيع متباعدة, سرعان ما تكون متناحرة متنافرة، تجر على المسلمين التباغض والتحاسد، والتقاطع والتدابر, ولا يخفى واقعها على المسلمين.

الثاني: تطلعها للحكم وحرصها على الرياسة
: فما من حزب - إلا من رحم الله تعالى- إلا ويتطلع غالباً للحكم والرياسة, ويسعى للوصول إليه بكل طريقة, وقد نهي النبي rعن تولية الأمر من سأله, وحذر من طلبه, كما صح عن أبي موسى الأشعري t قال: دخلت على النبي r أنا ورجلان من قومي، فقال أحد الرجلين: أمِّرْنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، فقال r: "إنا لا نولي هذا من سأله, ولا من حرص عليه" صحيح البخاري، ومعلوم كم جر - ويجر- طلب الإمارة والحرص عليها من شرور على المسلمين, ومنازعة ولاة الأمر الشرعيين ما قلدهم الله إياه من أمانة, وكم أريقت بسببه دماء, واستبيحت حرمات.

الثالث: تزكية نفسها و الطعن في غيرها
: فما من حزب إلا من - رحم الله تعالى- إلا وينشد أمجاده, ويظهر فضل أسياده, وكثيراً ما يقع في الكذب الواضح؛ والتزييف الفاضح, والله تعالى يقول: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً _ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً"النساء49-50, وقال تعالى: "فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى"النجم32, وغالباً ما يصاحب ذلك طعن في غيرها, وتشنيع عليها, ووصفها بما فيها وهو الغيبة, وبما ليس فيها وهو البهت, وقد نهانا الله عن ذلك كله.

الرابع: حرصها على إظهارعيوب الحاكم
: وذلك حتى يؤول الحكم إليها, فتظهر نفسها في صورة الناصح الأمين, وتظهر الحاكم في صورة شيطان رجيم, حتى تحكم بدلاً منه, وغالباً ما تغدر به, وهذا حرام, فعن أبي سعيد الخدري tأنه قال: قال رسول الله r: "لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة" مسلم.


الخامس: عقدها الولاءات والبيعات المنافية لوجوب السمع والطاعة للإمام
: فالخليفة له حق السمع والطاعة على الرعية كما هو معلوم بالبيعة التي أخذت له من أهل الحل والعقد, ووجود الأحزاب ببيعاتها الحالية؛ تعتبر ناقضة للبيعة العامة, بل وموجبة لقتال من يعقدها خفية, حتى يرجع إلى السمع والطاعة, وقد ثبت في الصحيح عن عرفجة tقال: قال رسول الله r: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد؛ يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه" صحيح مسلم, وعنه tقال: سمعت رسول الله rيقول: "إنه سيكون هنات وهنات, فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع, فاضربوه بالسيف كائناً من كان" صحيح مسلم.


السادس: تربية أتباعها على ازدواجية الولاء, وعلى التلون والغدر والنفاق
: فأبناءها يعطون العهد والبيعة للخليفة المسلم على السمع والطاعة بيد؛ وباليد الأخرى يعطونها للحزب وأميره, وهذا من خلق المنافقين المذبذبين، كما قال تعالى: "مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً"النساء143، بل تجد أبناءها يصيرون ولو بعد حين أصحاب وجهين فيكونوا من شر الناس كما صح عن أبي هريرة t عن النبي rأنه قال: "إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" صحيح البخاري.



ثالثاً: حكم الأحزاب الإسلامية في ظل غياب الحكم بما أنزل الله تعالى, ووجود حكم طاغوتي جاهلي؛ سواء كان علماني؛ أو شيوعي؛ أو غير ذلك:


لا يختلف أحد من أهل العلم الذين هم أهله؛ على وجوب العمل الجماعي المنظم من المسلمين, في مواجهة العمل الجماعي المنظم من الكافرين, ولما ابتلينا في عصرنا هذا بفقد الحكم بما أنزل الله تعالى؛ وبعدم وجود الحاكم بدين الله سبحانه, والمنفذ لشرع الله في العباد, وما ترتب عليه من غياب الإسلام في الحياة العامة, إلا ما يطبقه المسلم في نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً, مع ما يلاقيه من شدة وعناء, وحرب وإقصاء, من أعداء الملة والدين على كافة أشكالهم وأسماءهم ومواقعهم, كان لزاماً على المسلمين أن يقوموا بعمل منظم لمواجهة ذلك, يسعوا من خلاله لاستعادة حاكمية الشريعة؛ وإقامة الدين في العالمين, وهذا ما ظهر على شكل أحزاب وتنظيمات وجماعات كثيرة, في أكثر من قطر وفي أكثر من بلد, جلها تقول أنها تنتهج نهج الإسلام؛ وتسعى لتحكيم الشريعة في الأنام, ومنهم من يعلن ذلك ومنهم من يستخفي, ولما كان لكل قول حقيقة, ولا يعطى الناس بدعواهم؛ حتى يتبين الصادق من الكاذب؛ ولما كان لزيادة هذه الأحزاب من السلبيات الكثير, والتي يضيق المقام بحصره, لما كان الأمر كذلك كان لا بد من توضيح حكم هذه الأحزاب الموجودة بيننا الآن والتي تشكلت وتتشكل, وحكم العمل معها والانخراط في صفوفها, وإجمال ذلك في نقطتين:



أولهما: أدلة جواز وجود الأحزاب الإسلامية في ظل غياب الشريعة:


أجاز أهل العلم الذين هم أهله, العمل في هذه الأحزاب بناء على الأدلة الشرعية الكثيرة المتظاهرة والمتظافرة, والتي منها وجوب الإعداد كما قال تعالى: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ "الأنفال60


وهذا لا يكون حقيقياً ومثمراً وفعالاً إلا إن كان عملاً جماعياً منظماً, أما إن كان فردياً - وإن كان له تأثير-, فإنه ضعيف بل بالكاد يذكر بجوار العمل الجماعي, والخطاب في القرآن الكريم في غالبة جاء باللفظ الجماعي لا الفردي خاصة في مواجهة الباطل فليتدبر, ومن الأدلة على ذلك أيضاً ما رواه ثوبان t أن رسول الله rقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" صحيح مسلم, وعن عقبة بن عامرtقال: قال رسول الله: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله؛ قاهرين لعدوهم؛ لا يضرهم من خالفهم؛ حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك" صحيح مسلم, وعن أبي سعيد الخدريt أن رسول الله rقال: "إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" صحيح الجامع(500)


فهذه الأحاديث ومثلها كثير, يتحدث عن عمل جماعي منظم, لا عن عمل عشوائي مفرق, ودلالة النص على ذلك واضحة: "عصابة, طائفة, ثلاثة" وهي أقل الجماعة, وفي فضل الجماعة وشر الفرقة روى النعمان بن بشيرt أن رسول الله rقال: "الجماعة رحمة, والفرقة عذاب" السلسة الصحيحة(667).


‌‌ثانيهما: شروط وضوابط العمل في هذه الأحزاب
:

ولما تكاثرت هذه الأحزاب وزاد عددها, حتى احتار كثير من المسلمين أيّاً يتبعون منها, كان لا بد من بيان شروط وضوابط جواز اتباع أي حزب من الأحزاب الإسلامية, والعمل في أي حزب منها, ويمكننا أن نجملها فيما يلي:


1- الالتزام بالكتاب والسنة، والاتباع والاقتداء بمنهج السلف الصالح قولاً وعملاً، لقولهr: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل, وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة, وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة, كلهم في النار إلا ملة واحدة, ما أنا عليه وأصحابي" صحيح الجامع(5343), ‌فيشترط فيها ألا تبتدع في دينها, ولا تنجرف في تيار الأفكار الضالة والمنحرفة الطاغي اليوم، ولا توالي وتعادي في ذاتها بل في شرع الله تعالى, وأي جماعة أو حزب لم ينضبط بهذا الضابط، أو فرط بثوابت وأصول هذا الدين, تحت حجج واهية من مصلحة وفقه وضغط واقع وغيرها، هو حزب باطل ومرفوض, شره يفوق خيره, لا يجوز الانتماء إليه, أو تكثير سواده، أو العمل في صفوفه, أو تأييده بحال, وقد قال عبد الله بن مسعود t: "من كثر سواد قوم فهو منهم, ومن رضي على قوم كان شريك من عمله"أخرجه الديلمي (3/519)


2- وجود الضرورة الملحة والحاجة الداعية لإقامة هذا الحزب, سواء كانت الحاجة هي غياب الدولة الإسلامية، أو عدم وجود خليفة تجتمع عليه كلمة المسلمين, أو وجود حكم طاغوتي, أو عدم وجود حزب إسلامي قبله ملتزم بالشروط كلها.


3- العمل من أجل توحيد كلمة جميع المسلمين على منهاج النبوة في حزب واحد، وجماعة واحدة قدر المستطاع، عملاً بقوله تعالى: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ"آلعمران103, كما والعمل على ترميم أسباب الفرقة والاختلاف التي زرعها الكفار بين المسلمين، وقد قال الله تعالى: "وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ"الأنفال46، أي لا تتنازعوا, فتفشلوا وتذهب منعتكم وغلبتكم.


4- العمل على إحياء فريضتي الإعداد والجهاد في سبيل الله، حتى يتم استئناف الحياة الإسلامية في جميع المناحي، ما استطاعت الجماعة إلى ذلك سبيلاً, كما قال تعالى: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ"الأنفال60، وكما قال تعالى: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه"الأنفال39, وذلك حسب ما يناسب المكان والزمان والمرحلة.



5- إقامة العلاقة مع جميع المسلمين عامة؛ وفي البلاد التي تكون فيها خاصة؛ على مبدأ الموالاة والمعاداة في الله، والحب والكره في الله، وفق ضوابط وتعاليم الشرع من غير زيادة أو نقصان، عملاً بحديث البراء بن عارب t أن رسول اللهrقال: "إن أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله، وتُبغض في الله" صحيح الجامع(2009)



وعليه فلا يعقد الحزب الموالاة والمعاداة في غير الله من حزب أو شيخ أو طريقة؛ كما هو شأن أكثر الأحزاب والتجمعات المعاصرة؛ التي توالي وتعادي في حزبها أو شيخها أو أميرها, فالحزب الإسلامي الذي يجوز أن ينتمي إليه المسلم هو الحزب الذي يتولى جميع المسلمين بصرف النظر عن توجهاتهم - ما دامت في حدود الشريعة -, أو مذاهبهم - ما دامت تقوم على الدليل -, وإن خالفهم فيه مع المناصحة والمدارسة, فلا يميز بين من يتبعه ومن لا يتبعه, ويهتم بأمور جميع المسلمين, ويعيش همومهم, ويسهر على راحتهم, ولا يرى له أو لأحد من حزبه أو غير حزبه فضلاً على أحد إلا بميزان الله تعالى ألا وهو: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"الحجرات13.


6- مد يد العون لباقي المسلمين عامة, والجماعات الإسلامية صاحبة ذات المنهج في الأقطار الأخرى خاصة, بما استطاعت من رأي ومشورة, وعدة وعتاد, ومال ورجال, وقد قال الله تعالى: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى"المائدة2, وهذا من التعاون المأمور به شرعاً.


7
- رفع الظلم عن المسلمين, والعمل لنصرة المستضعفين من الموحدين, وعدم خذلانهم بالفعل حال الاستطاعة؛ أو بالقول على كل حال؛ في أي قطر أو مصر عامة, وفي أماكن وجودها خاصة, فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً

وفي الحديث عن النعمان بن بشيرt قال: قال رسول الله r: "المؤمنون كرجل واحد؛ إن اشتكى عينه اشتكى كله؛ وإن اشتكى رأسه اشتكى كله" صحيح مسلم, ولا يخذل المسلمين في أي مكان بقول أو عمل, فإنه إن خذل مسلماً يخذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته


كما ثبت عن جابرtأن النبي r قال: "ما من امرئ مسلم يخذل امرءاً مسلماً؛ في موضع ينتهك فيه حرمته؛ وينتقص فيه من عرضه؛ إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته؛ وما من امرئ مسلم؛ ينصر مسلماً؛ في موضع ينتقص فيه عرضه؛ وينتهك فيه حرمته؛ إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته" صحيح الجامع(5690).


8
- حل الجماعة أو الحزب حال قيام الحكم بما أنزل الله تعالى ووجود الحاكم بما أنزل الله تعالى والدخول تحت حكمه, والعمل من تحت إمرته, فبقاءه بعد وجود الحكم بما أنزل الله يترتب عليه كثير من المفاسد التي سبق بيانها.

وأخيرا:
لا ينفك واجب العمل الجماعي عن مسلم من المسلمين في أي قطر من الأقطار ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ حتى لو كان وحده داعياً إلى ذلك, مع مفارقته لكل الأحزاب الموجودة, سواء كانت أحزاب غير إسلامية أو أحزاب بدعية تنسب نفسها للإسلام, وقد قال ابن مسعود t: "الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك"تهذيب الكمال(22/264)

هذا والله تعالى أعلم وهو من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.

 
هذا البحث بقلم اخوكم


أبو المحتسب الغزاوي السلفي
تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المدونة وشكرا

هل اعجبك هذا الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).

جميع المواد الواردة في هذا الموقع حقوقها محفوظة لذى ناشريها ،ممنوع النقل بدون تصريح أو ذكر للمصدر . Privacy-Policy | إتفاقية الإستخدام

إن جميع المواد الموجودة في الموقع تعبر عن آراء كتابها ولاتعبر عن رأي الموقع لذلك لايتحمل الموقع أي مسؤوليات تجاهها

هذا قالب المهندس عبدالرحمن احمد وهذه حقوق ملكية فكرية