أبو موسى الأشعري
عبد الله بن قيس بن سليم بن حضـار بن حرب ، الإمام الـكبير صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . أبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ .
حدث عنه : بريدة بن الحصيب ، وأبو أمامة الباهلي ، وأبو سعيد الخدري ، وأنس بن مالك ، وطارق بن شهاب ، وسعيد بن المسيب ، والأسود بن يزيد ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وزيد بن وهب ، وأبو عثمان النهدي ، وأبو عبد الرحمن النهدي ، ومرة الطيب ، وربعي بن حراش ، وزهدم بن مضرب ، وخلق سواهم .
وهو معدود فيمن قرأ على النبي -صلى الله عليه وسلم- . أقرأ أهل البصرة ، وفقههم في الدين . قرأ عليه حطان بن عبد الله الرقاشي ، وأبو رجـاء العطاردي .
ففي "الصحيحين" ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه ، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما .
وقد استعمله النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعاذا على زبيد ، وعدن . وولي إمرة الكوفة لعمر ، وإمرة البصرة . وقدم ليالي فتح خيبر ، وغزا ، وجاهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وحمل عنه علما كثيرا .
قال سعيد بن عبد العزيز : حدثني أبو يوسف ، حاجب معاوية : أن أبا موسى الأشعري قدم على معاوية ، فنزل في بعض الدور بدمشق ، فخرج معاوية من الليل ليستمع قراءته .
قال أبو عبيد : أم أبي موسى هي ظبية بنت وهب ; كانت أسلمت ، وماتت بالمدينة .
وقال ابن سعد : حدثنا الهيثم بن عدي ، قال : أسلم أبو موسى بمكة ، وهاجر إلى الحبشة . وأول مشاهده خيبر . ومات سنة اثنتين وأربعين .
قال أبو أحمد الحاكم : أسلم بمكة ، ثم قدم مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر بثلاث ، فقسم لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- . ولي البصرة لعمر وعثمان ; وولي الكوفة ، وبها مات .
وقال ابن منده : افتتح أصبهان زمن عمر .
وقال العجلي : بعثه عمر أميرا على البصرة ; فأقرأهم وفقههم ، وهو فتح تستر . ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتا منه .
قال حسين المعلم : سمعت ابن بريدة يقول : كان الأشعري قصيرا ، أثط ، خفيف الجسم .
وأما الواقدي فقال : حدثنا خالد بن إلياس ، عن أبي بكر بن أبي جهم ، قال : ليس أبو موسى من مهاجرة الحبشة ، ولا حلف له في قريش ، وقد كان أسلم بمكة ، ورجـع إلى أرضه ; حتى قدم هو وأناس من الأشعريين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
وذكره موسى بن عقبة فيمن هاجر إلى الحبشة .
وروى أبو بردة ، عن أبي موسى ، قال : خرجنا من اليمن في بضع وخمسين من قومي ، ونحن ثلاثة إخوة : أنا ، وأبو رهم ، وأبو عامر . فأخرجتنا سفينتنا إلى النجاشي ، وعنده جعفر وأصحابه ; فأقبلنا حين افتتحت خيبر ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : لكم الهجرة مرتين : هاجرتم إلى النجاشي ، وهاجرتم إليَّ .
وفي رواية : أنا ، وأخواي : أبو رُهْمٍ ، وأبو بُرْدَة ، أنا أصغرهم .
أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق : حدثنا يحيى بن أيوب ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : يقدم عليكم غدا قوم هم أرق قلوبا للإسلام منكم، فقدم الأشعريون ; فلما دنوا جعلوا يرتجزون : غــدا نلقـى الأحبـه
محـــمدا وحـزبــه
فلما أن قدموا تصافحوا ، فكانوا أول من أحدث المصافحة .
شعبة ، عن سماك ، عن عياض الأشعري ، قال : لما نزلت : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : هم قومك يا أبا موسى ، وأومأ إليه .
صححه الحاكم . والأظهر : أن لعياض بن عمرو صحبة ، ولكن رواه جماعة عن شعبة أيضا (ح) ، وعبد الله بن إدريس ، عن أبيه ، كلاهما عن سماك ، عن عياض ، عن أبي موسى .
بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : لما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حنين ، بعث أبا عامر الأشعري على جيش أوطاس ، فلقي دريد بن الصمة ، فقتل دريد ، وهزم الله أصحابه ; فرمى رجل أبا عامر في ركـبته بسهم ، فأثبته . فقلت : يا عم ، من رماك ؟ فأشار إليه . فقصدت له ، فلحقته ، فلما رآني ، ولى ذاهبا . فجعلت أقول له : ألا تستحي ؟ ألست عربيا ؟ ألا تثبت ؟ قال : فكف ، فالتقيت أنا وهو ، فاختلفنا ضربتين ، فقتلته . ثم رجعت إلى أبي عامر ، فقلت : قد قتل الله صاحبك . قال : فانزع هذا السهم . فنزعته ، فنزا منه الماء . فقال : يا ابن أخي ، انطلق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فأقْرِه منِّي السلام ، وقل له : يستغفر لي . واستخلفني أبو عامر على الناس ، فمكث يسيرا ، ثم مات . فلما قدمنا ، وأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- ، توضأ ، ثم رفع يديه ، ثم قال 5 "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر" ، حتى رأيت بياض إبطيه . ثم قال :اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك" فقلت : ولي يا رسول الله ؟ فقال : اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما .
وبه ، عن أبي موسى ، قال : كنت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجعرانة فأتى أعرابي فقال : ألا تنجز لي ما وعدتني ؟ قال : أبْشِر . قال : قد أكثرت من البشرى . فأقبل رسول الله عليَّ وعلى بلال ، فقال : إن هذا قد رد البشرى فاقْبَلا أنتما ، فقالا : قبلنا يا رسول الله . فدعا بقدح ، فغسل يديه ووجهه فيه ، ومج فيه ، ثم قال : اشربا منه ، وأفرغا على رءوسكما ونحوركما، ففعلا . فنادت أم سلمة من وراء الستر : أنْ فضلا لأمكما . فأفْضَلا لها منه .
مالك بن مغول وغيره ، عن ابن بريدة عن أبيه ، قال : خرجت ليلة من المسجد ، فإذا النبي -صلى الله عليه وسلم- عند باب المسجد قائم ، وإذا رجل يصلي ، فقال لي : يا بريدة ، أتراه يرائي ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : بل هو مؤمن منيب ، لقد أُعطي مزمارا من مزامير آل داود . فأتيته ، فإذا هو أبو موسى ; فأخبرته .
أنبؤونا عن أحمد بن محمد اللبان وغيره : أن أبا علي الحداد أخبرهم : أخبرنا أبو نعيم : أخبرنا ابن فارس : حدثنا محمد بن عاصم : حدثنا زيد بن الحباب ، عن مالك بن مغول : حدثنا ابن بريدة ، عن أبيه قال : جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد ، وأنا على باب المسجد ، فأخـذ بيدي ، فأدخلني المسجد ، فإذا رجل يصلي يدعو ، يقول : اللهم ، إني أسألك ، بأني أشهد أنك الله ، لا إله إلا أنت الأحد الصمد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .
قال : والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم ، الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب ، وإذا رجل يقرأ ، فقال : لقد أُعطي هذا مزمارا من مزامير آل داود . قلت : يا رسول الله ، أخبرُه ؟ قال : نعم ، فأخبرته . فقال لي : لا تزال لي صديقًا . وإذا هو أبو موسى .
رواه حسين بن واقد ، عن ابن بُريدة ، مختصرا .
وروى أبو سلمة ، عن أبي هريرة : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : لقد أعطي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود .
خالد بن نافع : حدثنا سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعائشة مرَّا به ، وهو يقرأ في بيته ، فاستمعا لقراءته ، فلما أصبح ، أخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- ; فقال : لو أعلم بمكانك لحبَّرْتُه لك تحبيرا .
خالد ، ضعف .
حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن أبا موسى قرأ ليلة ، فقمن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يستمعن لقراءته . فلما أصبح ، أخبر بذلك . فقال : لو علمت ، لحَبَّرْتُ تحبيرا ، ولشَوَّقْتُ تشويقا .
الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، قال : أتينا عليا ، فسألناه عن أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- . قال : عن أيهم تسألوني؟ قلنا : عن ابن مسعود . قال : عَلِمَ القرآن والسُّنَّة ، ثم انتهى ، وكفى به علما . قلنا : أبو موسى ؟ قال : صُبِغَ في العلم صبغة ، ثم خرج منه . قلنا : حذيفة ؟ قال : أعلم أصحاب محمد بالمنافقين . قالوا : سلمان ؟ قال : أدرك العلم الأول ، والعلم الآخر ; بحر لا يدرك قعره ، وهو منا أهل البيت . قالوا : أبو ذر ؟ قال : وعى علما عجز عنه . فسئل عن نفسه . قال : كنت إذا سألت أعطيت ، وإذا سكت ابتديت .
أبو إسحاق : سمع الأسود بن يزيد ، قال : لم أر بالكوفة أعلم من علي وأبي موسى .
وقال مسروق : كان القضاء في الصحابة إلى ستة : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي ، وزيد ، وأبي موسى .
وقال الشعبي : يؤخذ العلم عن ستة : عمر ، وعبد الله ، وزيد ، يشبه علمهم بعضه بعضا ، وكان علي ، وأبي ، وأبو موسى يشبه علمهم بعضه بعضا ، يقتبس بعضهم من بعض .
وقال داود ، عن الشعبي : قضاة الأمة : عمر ، وعلي ، وزيد ، وأبو موسى .
أسامة بن زيد ، عن صفوان بن سليم ، قال : لم يكن يفتي في المسجد زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، غير هؤلاء : عمر ، وعلي ، ومعاذ ، وأبي موسى .
قال أبو بردة : قال : إني تعلمت المعجم بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فكانت كتابتي مثل العقارب .
أيوب ، عن محمد ، قال عمر : بالشام أربعون رجلا ، ما منهم رجل كان يلي أمر الأمة إلا أجزأه ، فأرسل إليهم . فجاء رهط ، فيهم أبو موسى . فقال : إني أرسلك إلى قوم عسكر الشيطان بين أظهرهم . قال : فلا ترسلني . قال : إن بها جهادا ورباطا . فأرسله إلى البصرة .
قال الحسن البصري : ما قدمها راكب خير لأهلها من أبي موسى .
قال ابن شوذب : كان أبو موسى إذا صلى الصبح ، استقبل الصفوف رجلا رجلا يقرئهم . ودخل البصرة على جمل أورق ، وعليه خرج لما عزل .
قتادة ، عن أنس : بعثني الأشعري إلى عمر ، فقال لي : كيف تركت الأشعري ؟ قلت : تركته يعلم الناس القرآن . فقال : أما إنه كيِّس ! ولا تسمعها إياه .
قال أبو بردة : كتبت عن أبي أحاديث ، ففطن بي ، فمحاها ، وقال : خذ كما أخذنا .
أبو هلال ، عن قتادة ، قال : بلغ أبا موسى أن ناسا يمنعهم من الجمعة أن ليس لهم ثياب ، فخرج على الناس في عباءة .
قال الزهري : استخلف عثمان ، فنزع أبا موسى عن البصرة ، وأُمِّر عليها عبد الله بن عامر بن كريز .
قال خليفة : ولي أبو موسى البصرة سنة سبع عشرة بعد المغيرة ، فلما افتتح الأهواز استخلف عمران بن حصين بالبصرة . - ويقال : افتتحها صلحا - فوظف عليها عمر عشرة آلاف ألف ، وأربع مائة ألف .
وقيل : في سنة ثمان عشرة ، افتتح أبو موسى الرُّها وسُمَيْسَاط وما والاها عنوة .
زهير بن معاوية : حدثنا حميد : حدثنا أنس : أن الهرمزان نزل على حكم عمر من تستر ، فبعث به أبو موسى معي إلى أمير المؤمنين ; فقدمت به . فقال له عمر : تكلم ، لا بأس عليك . فاستحياه ثم أسلم ، وفرض له .
قال ابن إسحاق : سار أبو موسى من نهاوند ، ففتح أصبهان سنة ثلاث وعشرين .
مجالد ، عن الشعبي قال : كتب عمر في وصيته : ألا يَقَرَّ لي عامل أكثر من سنة ، وأقِرُّوا الأشعري أربع سنين .
حميد بن هلال ، عن أبي بردة : سمعت أبي يقسم : ما خرج حين نزع عن البصرة إلا بست مائة درهم .
الزهري ، عن أبي سلمة : كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى ، ربما قال له ، ذكرنا يا أبا موسى . فيقرأ .
وفي رواية تفرد بها رشدين بن سعد : فيقرأ ، ويتلاحن .
وقال ثابت ، عن أنس : قدمنا البصرة مع أبي موسى ، فقام من الليل يتهجد ، فلما أصبح ، قيل له : أصلح الله الأمير! لو رأيت إلى نسوتك وقرابتك وهم يستمعون لقراءتك . فقال : لو علمت لزينت كتاب الله بصوتي ، ولحبرته تحبيرا .
قال أبو عثمان النهدي : ما سمعت مزمارا ولا طنبورا ولا صنجا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ; إن كان ليصلي بنا فنَوَدُّ أنه قرأ البقرة ، من حسن صوته .
هشام بن حسان ، عن واصل مولى أبي عيينة ، عن لقيط ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : غزونا في البحر ، فسرنا ; حتى إذا كنا في لجة البحر ، سمعنا مناديا ينادي : يا أهل السفينة ، قفوا أخبركم . فقمت ، فنظرت يمينا وشمالا ، فلم أر شيئا . حتى نادى سبع مرار . فقلت : ألا ترى في أي مكان نحن ، إنا لا نستطيع أن نقف . فقال : ألا أخبرك بقضاء قضى الله على نفسه : إنه من عطش نفسه لله في يوم حار ، كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة . قال : وكان أبو موسى لا تكاد تلقاه في يوم حار إلا صائما .
ورواه ابن المبارك في "الزهد" : حدثنا حماد بن سلمة ، عن واصل .
الأعمش ، عن أبي الضحـى ، عن مسروق ، قال : خرجنا مع أبي موسى في غزاة ، فجننا الليل في بستان خرب ; فقام أبو موسى يصلي ، وقرأ قراءة حسنة ، وقال : اللهم ، أنت المؤمن تحب المؤمن ، وأنت المهيمن تحب المهيمن ، وأنت السلام تحب السلام .
وروى صالح بن موسى الطلحي ، عن أبيه ، قال : اجتهد الأشعري قبل موته اجتهادا شديدا ، فقيل له : لو أمسكت ورفقت بنفسك ؟ قال : إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها ، أخرجت جميع ما عندها ; والذي بقي من أجلي أقل من ذلك .
حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن أبا موسى كان له سراويل يلبسه مخافة أن يتكشف .
الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنا مع حذيفة جلوسا ، فدخل عبد الله وأبو موسى المسجد فقال : أحدهما منافق ، ثم قال : إن أشبه الناس هديا ودلا وسمتا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الله .
قلت : ما أدري ما وجه هذا القول ، سمعه عبد الله بن نمير منه ، ثم يقول الأعمش : حدثناهم ، بغضب أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فاتخذوه دينا .
قال عبد الله بن إدريس : كان الأعمش به ديانة من خشيته .
قلت : رمي الأعمش بيسير تشيع فما أدري .
ولا ريب أن غلاة الشيعة يبغضون أبا موسى -رضي الله عنه- ، لكونه ما قاتل مع علي ، ثم لما حكـمه علي على نفسه ، عزله ، وعزل معاوية ، وأشار بابن عمر ; فما انتظم من ذلك حال .
قال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر : حدثنا عيسى بن علقمة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : قلت لعلي يوم الحكمين : لا تُحَكِّم الأشعري ; فإن معه رجلا ، حَذِرًا مرسا قارحًا . فلُزَّنِي إلى جنبه ، فلا يحل عقدة إلا عقدتها ، ولا يعقد عقدة إلا حللتها . قال : يا ابن عباس ، ما أصنع ؟ انما أوتى من أصحابي ، قد ضعفت نيتهم ، وكَلُّوا . هذا الأشعث يقول : لا يكـون فيها مضريان أبدا ، حتى يكون أحدهما يمان . قال ابن عباس : فعذرته ، وعرفت أنه مضطهد .
وعن عكرمة ، قال : حكم معاوية عمرا ; فقال الأحنف لعلي : حكم ابن عباس ، فإنه رجل مجرب . قال : أفعل . فأبت اليمانية ، وقالوا : حتى يكون منا رجل . فجاء ابن عباس إلى علي ، فقال : علام تحكم أبا موسى ، لقد عرفت رأيه فينا ، فوالله ما نصرنا ; وهو يرجو ما نحن فيه ; فتدخله الآن في معاقد أمرنا ، مع أنه ليس بصاحب ذلك فإذا أبيت أن تجعلني مع عمرو ، فاجعل الأحنف بن قيس ; فإنه مجرِّب من العرب ، وهو قِرن لعمرو . فقال : نعم . فأبت اليمانية أيضا . فلما غلب ، جعل أبا موسى .
قال أبو صالح السمان : قال علي : يا أبا موسى ، احكم ولو على حَزِّ عنقي .
زيد بن الحباب : حدثنا سليمان بن المغيرة البكري ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى : أن معاوية كتب إليه : أما بعد : فإن عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد ، وأقسم بالله ، لئن بايعتني على الذي بايعني ، لأستعملن أحد ابنيك على الكوفة ، والآخر على البصرة ; ولا يغلق دونك باب ، ولا تقضى دونك حاجة . وقد كتبت إليك بخطي ، فاكتب إليَّ بخط يدك .
فكتب إليه : أما بعد : فإنك كتبت إلي في جسيم أمر الأمة ، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه ، ليس لي فيما عرضت من حاجة ، والسلام عليك .
قال أبو بردة : فلما ولي معاوية أتيته ، فما أغلق دوني بابا ، ولا كانت لي حاجة إلا قضيت .
قلت : قد كان أبو موسى صواما قواما ربانيا زاهدا عابدا ، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر ، لم تغيره الإمارة ، ولا اغتر بالدنيا .
ومن عواليه :
أخبرنا الفقيهان : يحيى بن أبي منصور ، وعبد الرحمن بن محمد كتابة ، قالا : أخبرنا عمر بن محمد : أخبرنا هبة الله بن محمد : أخبرنا محمد بن محمد بن غيلان : أخبرنا أبو بكر الشافعي : حدثنا إبراهيم بن عبد الله البصري ، حدثنا الأنصاري ، حدثنا سليمان ، (ح) وبه إلى الشافعي : حدثنا محمد بن مسلمة ، واللفظ له : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي موسى الأشعري ، قال :
كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر ، وكان القوم يصعدون ثنية أو عقبة ; فإذا صعد الرجل قال : لا إله إلا الله ، والله أكبر -أحسبه قال : بأعلى صوته- ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بغلته يعترضها في الجبل ، فقال : أيها الناس ، إنكم لا تنادون أَصَمَّ ولا غائِبًا . ثم قال : يا عبد الله بن قيس -أو يا أبا موسى- ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة ؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : قل : لا حول ولا قوة إلا بالله .
قد مر أن أبا موسى توفي سنة اثنتين وأربعين .
وقال أبو أحمد الحاكم : توفي سنة اثنتين وقيل : سنة ثلاث وأربعين .
وقال أبو نعيم ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وابن نمير ، وقعنب بن المحرر توفي سنة أربع وأربعين .
وأما الواقدي ، فقال : مات سنة اثنتين وخمسين وقال المدائني : سنة ثلاث وخمسين، بعد المغيرة .
وقد ذكرت في طبقات القراء : توفي أبو موسى في ذي الحجة سنة أربع وأربعين، على الصحيح .
ابن سعد : أخبرنا يزيد ، وعفان ، قالا : حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس : أن أبا موسى كان حلو الصوت . فقام ليلة يصلي ، فسمع أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقمن يستمعن . فلما أصبح ، قيل له : إن النساء سمعنَك . قال : لو علمت لحبرتكن تحبيرا ، ولَشَوَّقْتُكُنَّ تشويقا .
قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : كان عمر إذا رأى أبا موسى ، قال : ذكرنا يا أبا موسى . فيقرأ عنده .
شعبة ، عن أبي مسلمة ، عن أبي نضرة : قال عمر لأبي موسى : شوقنا إلى ربنا . فقرأ . فقالوا : الصلاة . فقال : أولسنا في صلاة ! .
روى حميد بن هلال ، عن أبي بردة ، قال : حدثتني أمي ، قالت : خرج أبو موسى حين نُزع عن البصرة ، ما معه إلا ست مائة درهم عطاء لعياله .
روى الزبير بن الخريت ، عن أبي لبيد ، قال : ما كنا نشبه كلام أبي موسى إلا بالجزار الذي ما يخطئ المفصل .
عن بعضهم : أن أبا موسى أتى معاوية ، وهو بالنخيلة ، وعليه عمامة سوداء وجبة سوداء ، ومعه عصا سوداء .
ثابت ، عن أنس قال : كان أبو موسى إذا نام ، لبس تبانا ، مخافة أن تنكشف عورته .
منصور بن المعتمر ، عن أبي عمرو الشيباني ، قال : قال أبو موسى : لأن يمتلئ منخري من ريح جيفة أحب إلي من أن يمتلئ من ريح امرأة .
ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن قزعة ، عن عبد الرحمن ابن مولى أم برثن ، قال : قدم أبو موسى الأشعري وزياد على عمر -رضي الله عنه ، فرأى في يد زياد خاتما من ذهب ، فقال : اتخذتم حلق الذهب ، فقال أبو موسى : أما أنا فخاتمي من حديد . فقال عمر : ذاك أنتن ، أو أخبث ، من كان متختما فليتختم بخاتم من فضة .
قال ابن بريدة : كان أبو موسى أثط قصيرا خفيف اللحم . رضي الله عنه .
وله في "مسند" بقي ثلاث مائة وستون حديثا .
وقع له في "الصحيحين" تسعة وأربعون حديثا ، وتفرد البخاري بأربعة أحاديث ، ومسلم بخمسة عشر حديثا . وكان إماما ربانيا .
جود ترجمته ابن سعد وابن عساكر .
قال الواقدي وغيره : قدم أبو موسى مكة ، وحالف أبا أحيحة الأموي . وأسلم بمكة ، وهاجر إلى الحبشة .
وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي بردة ، عن أبيه أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي ، فبعثت قريش عمرا وعمارة بن الوليد ، وجمعوا له هدية .
ولم يذكره ابن عقبة ، وابن إسحاق ، وأبو معشر ، فيمن هاجر إلى الحبشة .
قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، قال لي أبي : لو رأيتنا ونحن نخرج مع نبينا -صلى الله عليه وسلم- إذا أصابتنا السماء ، لوجدت منا ريح الضأن ، من لباسنا الصوف .
قال حميد بن هلال ، عن أبي بردة ، قال : حدثتني أمي ، قالت : خرج أبوك حين نزع عن البصرة ، وما معه إلا ست مائة درهم ، عطاء عياله .
سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، عن أبي بردة ، قال : دخلت على معاوية حين أصابته قرحته ، فقال : هلم يا ابن أخي ، فنظرت ، فإذا هو قد سُبِرَتْ -يعني : قرحته- فقلت : ليس عليك بأس . إذ دخل ابنه يزيد ، فقال له معاوية : إن وليت ، فاستوص بهذا ; فإن أباه كان أخا لي ، أو خليلا ، غير أني قد رأيت في القتال ما لم ير .
وقال أبو بردة : قال أبي : ائتني بكل شيء كتبته ، فمحاه ، ثم قال : احفظ كما حفظت .
ابن عون ، عن الحسن ، قال : كان الحكمان : أبا موسى ، وعمرا ; وكان أحدهما يبتغي الدنيا ، والآخر يبتغي الآخرة .
حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أبي مجلز : أن أبا موسى قال : إني لأغتسل في البيت المظلم ، فأحني ظهري حياء من ربي .
زهير بن معاوية ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : رأيت أبا موسى داخلا من هذا الباب ، وعليه مقطع ، ومطرف حيري .
عاصم بن بهدلة ، عن أبي وائل ، عن أبي موسى : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : اللهم اجعل عبيدا أبا عامر فوق أكثر الناس يوم القيامة فقتل يوم أوطاس . فقتل أبو موسى قاتله .
الجريري ، عن قسامة بن زهير ، عن أبي موسى ، قال : أَعْمِقُوا لي قبري .







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق